Uncategorized

السودان بعد سقوط الاقنعة لا عودة للوهم

ما جرى في السودان لم يكن حربا عابرة ولا نزاعا على سلطة بل لحظة كاشفة عنيفة اسقطت كل الاكاذيب التي راكمناها طوعا لعقود
انهارت اخر الجدران التي كان يختبئ خلفها الخائن وصاحب الاجندة والمتلاعب بوعي الناس ولم يعد هناك متسع للرمادية ولا مهرب من تسمية الاشياء باسمائها

المشكلة في السودان لم تكن في قلة الحقيقة بل في وفرة الكذب الذي صدقناه ودافعنا عنه وصنعنا له منابر ومبررات
لم نكن ضحايا خداع بقدر ما كنا شركاء بالصمت والتبرير والتواطؤ في الخاص والعام
وحين لا يوضع حد للكذب يتحول الى نظام حكم لا الى مجرد خطيئة اخلاقية

هذه الحرب كسرت كل الحجج
كسرت اسطورة الوطنية الصوتية
واسقطت وهم المدنية بلا دولة
وفضحت المتاجرة بالثورة وبالدين وبالهامش
ولم تترك لاحد فرصة للاختباء خلف اللغة او خلف دور الضحية او خلف تاريخ مزور

اليوم من يرفع شعارا عليه ان يقدمه ثمنا لا غطاء
ومن يدعي موقفا عليه ان يتحمل تبعاته لا ان يتوارى عند اول اختبار
لم يعد مقبولا ان نكافئ الفشل بالاعذار ولا الخيانة بالتحليل السياسي

انتصار القوات المسلحة وحده ليس كافيا
بل السؤال الحقيقي هو من سيمنع تكرار الجريمة سياسيا
من سيضع حدا لاعادة انتاج الكذب باسم التسوية
والفوضى باسم الحرية
والافلات من المحاسبة باسم الواقعية

ما يجعل هذه المرحلة مختلفة ان الكلفة بلغت منتهاها
الدم دفع
المدن دمرت
والذاكرة تشكلت بالوقائع لا بالخطب
ولهذا فان الرجوع الى نقطة الصفر لم يعد خيارا بل خيانة جديدة

الدولة التي تتشكل بعد هذا الخراب لن تبنى بالمجاملات ولا بالتحالفات الهشة ولا باعادة تدوير الوجوه نفسها تحت مسميات جديدة
ستبنى فقط اذا وضعت حدودا صارمة
حدا للكذب حتى لو جاء من اقرب الناس
وحدا للفوضى حتى لو لبست ثوب الحرية
وحدا للقداسة السياسية التي عطلت العقل وشرعنت الانهيار

الاختبار الحقيقي ليس في اسقاط الاشخاص بل في تحطيم البيئة التي صنعتهم وحمتهم وروجت لهم
فان فشلنا ضاع الدم مرتين
وان نجحنا خرج السودان لا كدولة نجت من الحرب بل كدولة ولدت من الحقيقة

ولا دولة تولد من الحقيقة يمكن كسرها بالكذب مرة اخرى
د اسامة الفاتح العمري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى